الشيخ السبحاني

389

تذكرة الأعيان

أجابه حسّان بن ثابت بقصيدة بمثل تلك القافية ومستهلّها : ذهبت بابن الزبعرى وقعة كان * منّا الفضلُ فيها لو عدل إلى غير ذلك من الشعراء المواكبين لهذا الخط في عصر الرسالة ، الملتفّين حول الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - يعينونه في مجال الجهاد بالسيف والرمح ، وفي مجال الكلام بالشعر والأَدب ، يبطلون بذلك حبائل شعراء المشركين وكذبهم ، ويأخذون بمجامع قلوب المسلمين . فكان الأَدب في اسلاك القريض ، يدبُّ مع السيف والرمح جنباً إلى جنب . لقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يرى أنّ تقدير الشعراء الصالحين ، أحد الوسائل لنصرة الإِسلام ، حيث كانوا ينضحون الكفّار بنبل أكثر تأثيراً من نبلهم ، وقد أصدر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كلمته المعروفة في حقّ هؤلاء وقال : « اهجوا بالشعر : إنّ المؤمن يجاهد بنفسه وماله ، والذي نفس محمد بيده كأنّما تنضحونهم بالنبل وفي لفظ آخر والذي نفس محمد بيده فكأنّما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر » « 1 » وقد اقتدت بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عترته الطاهرة ، فكانوا يقدّرون شعر الشعراء إذا كان فيه إجهار بالولاء وإصحار بالحقيقة ، ويكسونهم ، ويهبون لهم الصلات ، فعند ما أنشأ الفرزدق ( 20 114 ه ) ميميّته المعروفة في عصر تسرّبت فيه الروح الأَموية إلى المجتمع ، وكانت على الأَلسن سدود ، اهتزَّ لها عرش الدولة الأَموية لما كان في شعره من بلاغة كاملة ، ونكات بديعة ترشد الأُمّة إلى مراكز المثل والفضيلة ومنابع الحق ومصادره ، وقد أحسَّ بذلك هشام بن عبد الملك الوالي على الحجِّ أيَّام خلافة

--> ( 1 ) مسند أحمد : 3 ، 456 - 460 ، وج 2 - 387 .